الأحد، 8 فبراير 2015

مئات الركعة


وهذا ومن تطرفات الصوفية وغلوهم في التعبد والتحنث ما نقلوه عن الجنيد أنه " كان يدخل كل يوم حانوته ويسبل الستر ويصلي أربعمائة ركعة ثم يعود " [1] .

وحكوا عن الآخر أنه كان يصلي كل يوم ألف ركعة [2] .

ونسب الشعراني إلى أويس القرني أنه قد فرض على نفسه كل يوم ألف ركعة [3] .

وحكى العطار عن أبي يزيد البسطامي أنه كان يصلي أربع ركعات للعشاء , وكان إذا فرغ قال : إن هذه الصلاة غير مقبولة عند الله , وكان يعيدها , ثم إذا فرغ يعيدها , وهكذا يفعل حتى ينقضي الليل كله [4] .


فهل يا ترى ألا يعد ذلك تجاوزا عما أمر الله به في كتابه وثبت عن رسول الله في سنته , أليس هذا هو معنى التقدم بين يدي الله ورسوله المنهي عنه في كتاب الله العظيم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [5] .

وأليست هذه الفروض والواجبات التي فرضوها وأوجبوها على أنفسهم حسب ما ينقل القوم – والعهدة على من نقل , والكلام على ما نقل – مضاهاة للشارع والشرع أفلا يندرج كل هذا تحت وعيد الله عز وجل : ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [6] .
أو تحت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ّ ) [7] .




[1] الرسالة القشيرية ج1 ص 119 , مكاشفة القلوب للغزالي ص 30 , غيث المواهب العلية للنفزي الرندي ج1 ص 283 .
[2] تنبيه المغترين للشعراني ص 114 ط .
[3] الطبقات الكبرى لعبد الوهاب الشعراني ج 1 ص 27 .
[4] تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار ص 94 .
[5] سورة الحجرات الآية 1 .
[6] سورة الشورى الآية 21 .
[7] متفق عليه .

لايصلون بالمساجد



نقل الشعراني في طبقاته :

" كان الإمام الحسن بن سمعون رضي الله عنه أماماً زاهداً ورعاً قلما يخرج من بيته إلا في أيام الجمع لأجل الصلاة , وطول نهاره في قعر بيته رضي الله عنه " [1] .

وذكر ظهير الدين القادري أيضاً صوفياً ما كان يخرج من منزله إلا للجمعات فيقول :

" كان ورعاً متديناً كثير العبادة منقطعاً في منزله من الناس لا يخرج إلا في الجمعات " [2] .

وليس ترك الجماعة فقط , بل الجمعة أيضاً كما ذكر المنوفي الحسيني عن الصوفي المصري الذي قال فيه " هو الولي المجذوب العالم القطب الشريف الشاذلي " فيذكر عنه أنه " ما كان يخرج من بيته إلا كل أسبوع لزيارة المشهد الحسيني وكان يخرج في موكب يذكر الله هو وإخوانه حتى إذا وصل إلى المسجد الحسيني كثر أنضمام الناس إليه وتزاحموا فيدخل بهم إلى صحن المسجد فيذكرون الله جميعاً " [3] .

فلم يكن غرض خروج هذا الصوفي من بيته إلا زيارة المشهد الحسيني , فأين الجماعة وأين الجمعة ؟

ثم ما الفائدة من هذا الذكر المقرون بالبدعات والخرافات مع ترك الجمعة والجماعة ؟

و هناك صوفي آخر ذكره صاحب " تنبيه المغتربين " أنه كان يخلّي ولده على الخلوة أربعين يوماً فلا يفتح عليه " [4] .

ويروي الجعلي الفضلي عن شيخه بأن النقا أنه مكث في خلوته أربعين يوماً [5] .

وهذه الأربعينية التي يتعاهدها الصوفية ويعتزلون خلالها عن الناس ويرتاحون في الأربطة والغارات فيفوتهم ثواب السعي إلى المساجد وأجر الصلاة بالجماعة والجمعة قد ذكر فتوحها وفوائدها السهروردي والباخرزي أيضاً فيقولان :

" فإذا تمت الأربعون زالت الحجب , وأنصبت إليه العلوم والمعارف انصباباً ... فالعبد بنقطاعه إلى الله تعالى وأعتزال الناس يقطع مسافات وجوده , ويستنبط من معدن نفسه جواهر العلوم " [6] .

فيظنّ الصوفية بأن الله يفتح عليهم جواهر العلوم والمعارف , ويكشف لهم الغرائب والعجائب " تعويضاً عما تركوا لأجله " [7] .
هذا وقد ذكر الجامي عن الصوفي المشهور شمس الدين التبريزي أنه كان يمكث في خلوته ثلاثة شهور لا يخرج منها أصلا , كما أنه لم يكن يسمح أحداً بالدخول فيها [8] .

والشعراني يذكر صوفياً آخر مكث تسعة  شهور في خلوته منقطعاً عن الخلق تاركاً للجمعة والجماعة فيقول :

" أنقطع الشيخ عبد الحليم المنزلاوي في الخلوة تسعة شهور يقرأ في الليل ختماً وفي النهار ختماً , ثم خرج ينفق من الغيب إلى أن مات , وأقمت عنده في زاويته نحو سبعة وخمسين يوماً فما رأيت الفقراء احتاجوا إلى شيء إلا ويخرج لهم من كيس صغير كعقدة الإبهام جميع ما يطلبونه " [9] .

ومما يدل على بعض الصوفية وكرههم للحضور في المساجد للجمعة والجماعة ما حكوه عن بركات الخياط نقلاً عن أبي السعود الجارحي أنه قال :

" مدحت الشيخ بركات الخياط للشيخ جمال الدين الصائغ مفتي الجامع الأزهر وجماعة , فقالوا : أمضوا بنا نزوره , وكان يوم جمعة , فسلّم المؤذّن على المنار فقالوا له : نصلّي الجمعة , فقال : مالي عادة بذلك ( يعني أن الجمعة عادة وليست فرضاً ) , فأنكروا عليه , فقال : نصلي اليوم لأجلكم ( وليس لله ) , فخرج إلى جامع المارداني فوجد في الطريق مسقاة الكلاب فتطهر منها ( أنظر الإستهزاء بالفرائض الإسلامية ) , ثم وقع في مشحنة حمير , ففارقوه وصاروا يوبخون الشيخ عبد الواحد الذي جاء بهم إليه , وصار الشيخ بركات يوبخ عبد الواحد ويقول : أيش هؤلاء الحجارة الذين أتيت بهم لا يعود لك بالعادة أبداً , والله يا ولدي , مسقاة الكلاب إنما هي مطعمهم ومشربهم , وكذلك مشنحة الحمير إنما هي صورة اعتقادهم النجس " [10] .

وهناك آخر كان يمكث في خلوته ستة شهور كل سنة , لا يطعم شيئاً ولا يشرب , وإذا أراد الخروج من خلوته بعد ستة أشهر صاح بصوت عال ليختفي الناس عنه ولا يقع نظره على أحد لو وقع على أحد لكان أعمى عليه ليومين [11] .
هذا والصوفي الهندي القديم علاء الدين صابر الكليري المتوفى 690 هـ لم يخرج من خلوته سنتين [12] .

وأما الجعلي الفضلي فقد ذكر عن حمد النحلان الذي يقول فيه : "  اجتمع بالخضر عليه السلام وأخذ عليه " يقول : " أنه مكث في الخلوة إثنين وثلاثين شهراً , وأخذ معه ثلاث سلق قرظاً وسبع تمرات , والخلوة فيها طاقة يناولونه بها الماء , وكل ليلة مطالة قدر عين الجمل لفطوره , فلما خرج من الخلوة وجدوا القرظ والتمرات والمطاطيل على حالها , والركوة ملآنة ماء , فجميع من شرب منها وقع مغشياً عليه وصار ولياً من أولياء الله تعالى " [13] .
ونقلوا عن الصوفي المشهور محمد الحنقي أنه أعتزل عن الناس وجلس في خلوة تحت الأرض سبع سنين , فيقول الشعراني نقلاً عن أبي العباس المرسي أنه قال :

" لما خرج الشيخ محمد الحنقي من الكتاب جلس يبيع الكتب في سوقها , فمّر عليه بعض الرجال فقال : يا محمد , ما للدنيا خلقت , فنزل من الدكان وترك جميع ما فيه من الغلة والكتب ولم يسأل عن ذلك بعد , ثم حبّب إليه الخلوة فأختلى سبع سنين لم يخرج في خلوة تحت الأرض دخلها وهو ابن أربع عشرة سنة " [14] .

ونقل ابن الملقن عن فتح بن شخرف الكسي أنه قال :

" تهت في الجبال سبع سنين " [15] .

وليس سبع سنين فحسب , بل ذكروا عن أبن عثمان الحيري من الصوفية القدامى المتوفي سنة 298 هـ أنه أختلى عشرين سنة لم ير أثناء هذه المدة الطويلة شبحاً من الناس , وبعد العشرين أمر بمخالطة الناس فخرج إليهم [16] .

ولم يكتفوا بالعشرين , فيذكر الطوسي عن أبي عبد الله الصبيحي أنه لم يخرج ثلاثين سنة من بيت من تحت الأرض من كثرة إجتهاد وتعبّده , وكان إذا تكلّم بعلوم المعارف يدهش العالم [17] .

ولو أقتصر الأمر على هذا إلا أنه قد تجاوز عن ثلاثين سنة أيضاً فذكروا عن حسين أبي علي الذي يعتقدون فيه أنه " كان من كمّل العارفين وأصحاب الدوائر الكبرى , يناول الناس والفضة " يذكرون عن وليهم وعارفهم هذا أنه " مكث نحو أربعين سنة في خلوة مسدود بابها ليس لها غير طاقة يدخل منها الهواء " [18] .

" الناس معذورون , يقولون : عبد القادر ما يصلي ... ولكن لنا أماكن نصلي فيها " [19] .
وهناك آخر أحمد المعشوق المتوفى 773هـ ذكروا عنه أنه كان تاركاً للصلاة فسأله الناس عن السبب فأجاب قائلاً :

" إني امرأة حائضة , لا تجب الصلاة عليّ " [20] .
وكذلك ذكر العطار عن ذي النون المصري أنه قال له أحد مريديه : حججت أربعين حجة وقمت الليل أربعين سنة ولكني ما حظيت بمحادثة الله تعالى ومكاشفاته , فقال له ذو النون : كل شبعاً و لاتصلّ العشاء .

وحكى عنه العطار أيضاً أنه كان تاركاً للصلاة وكان يقول :  " أن الله رفع عني فريضة الصلاة " [21] .



ولكن الباحث والقارئ يتفحص أحوالهم وسيرهم في كتب الطبقات والسير ليرى العجب العجاب بأن القوم معظمهم لا يحضرون المساجد لأداء الصلوات الخمس ولا يحافظون عليها بل نقلوا عن كثير منهم بأنهم ما كانوا يخرجون من الروابط والزوايا , والصوامع والتكايا , والغيران والكهوف , والسراديب والخلوات أسابيع وشهوراً بل وسنوات أيضاً , لا للجمعة ولا للجماعة , مع ورود التشديد في الحضور لأداء الصلوات في المساجد ومع الجماعة بأوقاتها . فإن الله تبارك وتعالى حينما أمر المؤمنين بإقامة الصلوات , أمرهم بأدائها مع الجماعة , فقال : ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [22] .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن أفضل الأعمال , قال :

( أفضلها الصلاة لأول وقتها ) [23] .

وعن أبي هريرة رضي الله قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى , فقال : يا رسول الله , إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد , فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته , فرخصّ له , فلما ولّى دعاه , فقال : ( هل تسمع النداء بالصلاة ؟ )

قال : نعم  , قال : ( فأجب ) [24] .

وقال عليه الصلاة والسلام :  (  والذي نفسه بيده , لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب , ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها , ثم آمر رجلاً فيؤمّ الناس , ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فيؤذن لها , ثم آمر رجلاً فيؤم الناس , ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم , والذي نفسي بيده , لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء ) [25] .

وحث المؤمنين على الحضور في المساجد لأداء الصلاة مع الجماعة حيث قال :

( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة ) [26] .

وإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعرفون المنافق لعدم حضورهم للصلاة في المساجد مع الجماعة كما يروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه , قال :

" لقد رأيتنا وما يتخلّف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه , أو مريض , إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة .

وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا الهدى , وإن من سرّه سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه . وفي رواية قال : من سرّه أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات الخمس , حيث ينادى بهن , فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى , وإنهن من سنن الهدى , ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلّف في بيته لتركتم سنة نبيكم , ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم , وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور , ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكلّ خطوة يخطوها حسنة , ورفعه بها درجة , وحطّ عنه بها سيئة , ولقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلاّ منافق معلوم النفاق , ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف " [27] .

فهذه نبذة يسيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك , وإن الله أوجب الجمعة على  المسلمين بقوله :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [28] .
( ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا ) [29] .

وقال صلى الله عليه وسلم :

( من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ) [30] .

وقال : ( ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق ) [31] .

وقال عليه الصلاة والسلام :

( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ) [32] .

وقال عليه الصلاة السلام :

( ومن لم يهتم للمسلمين فليس منهم ) [33] .



[1] طبقات الشعراني ج 1 ص 68 .
[2] الفتح المبين لظهير الدين القادري ص 91 ط .
[3] جمهرة الأولياء لأبي الفيض المنوفي الحسيني ج 2 ص 265 ط   مؤسسة الحلبي القاهرة الطبعة الأولى 1387 هـ .
[4] تنبيه المغرين للشعراني ص 8 .
[5] كتاب الطبقات للجعلي الفضلي ص  60  ط  بيروت .
[6] عوارف المعارف للسهروردي ص 209  ط  دار الكتاب العربي بيروت .
[7] أيضا 212 .
[8] نفحات الأنس للجامي ص 466 .
[9] أنظر تذكرة أولياء بر صغير لميرزه أختر الدهلوي ج 2 ص 42 ط   باكستان .
[10] طبقات الشعراني ج  2 ص 135 .
[11] أيضا ج 2  ص 145 .
[12] أنظر تذكرة أولياء برصغير لأختر الدهلوي ج 2 ص 2    ط باكستان .
[13] كتاب الطبقات للجعلي الفضلي ص 60 ط .
[14] طبقات الشعراني ج 2 ص 90 .
[15] طبقات الأولياء لأبن الملقن ص 274 .
[16] خزينة الأصفياء لغلام سرور اللاهوري ص 91 ط   باكستان .
[17] كتاب اللمع للطوسي ص 500 .
[18] الطبقات الكبرى لعبد الوهاب الشعراني ج 2 ص 88 .
[19] جامع كرامات الأولياء للنبهاني ج2 ص 95 ط   دار صادر بيروت , أيضاً طبقات الشعراني ج 2 ص  139 .
[20] تذكرة أولياء بر صغير للميرزه الدهلوي ج 3 ص 165 .
[21] أيضاً ص 86 .
[22] سورة البقرة الآية 43 .
[23] رواه أحمد والترمذي وأبو داود .
[24] رواه مسلم .
[25] رواه البخاري .
[26] متفق عليه .
[27] رواه مسلم .
[28] سورة الجمعة الآية 9 .
[29] رواه أبو داود والترمذي .
[30] متفق عليه .
[31] رواه أبو داود والترمذي .
[32] رواه مسلم .
[33] أخرجه الحاكم من حديث حذيفة والطبراني عن أبي ذر .

لا يريدون الجنة ولا النار ويستهزؤن بهما


وأما المتصوفة فلا يرون الأمر كذلك , فلا الدنيا عندهم ولا الآخرة , ولا الخوف ولا الطمع , ولا الجنة ولا النار , بل كثيراً ما يستهزؤن بها ويسخرون بذكرها , فنقلوا عن رابعة العدوية البصرية أنها كانت تنشد :

" يعبدون الله خوفاً من لظى       فلظى قد عبدوا  لا ربنـا
         ولدار الخلد صلّوا , لا لــه       شبه قوم يعبدون الوثنا " [1] .

وذكرها العطار فقال :

" جاء إليها رجال من أهل الله فسألت أحدهم : لماذا تعبد الله ؟

فقال : خوفاً من عقابه والجحيم التي برزت للغاوين .

فسألت الآخر فقال : طمعاً في جنته التي أعدت للمتقين .

فقالت : أما أنا فما عبدته خوفاً من ناره ولا طمعا في جنته فأكون كالأجير السوء بل عبدته حباً له وشوقاً إليه " [2] .
وورد مثل هذا في روضة التعريف بالحب الشريف أيضاً [3] .
وروى الجلمي عنها أنها قالت :

" وعزتك ما عبدتك خوفاً من نارك ولا رغبة في جنتك , بل كرامة لوجهك الكريم ومحبة فيك " [4] .

وعلى ذلك قال المنوفي الحسيني بعد ذكر رابعة العدوية , وجويرية , ورابعة الدمشقية وغيرهن : " أولئك اللواتي طمعن في رحمة الله وأحببته لا رهبة من عقابه , ولا طمعاً في ثوابه " [5] .

وأنشدت أيضاً :

أحبك حبين حب الـــهوى       وحباً لأنك أهـــل لذاكـــــــا
  فأما الذي هو حبّ الهوى       فشغلي بذكرك عمّن سواكا [6]

وذكر ابن عجيبة الحسني أنها قالت :

كلهم يعبدونه من خــــــــوف نــــار       ويــرون النـــجاة حظاً جزيــــلا
أو بأن يسكنوا الجنــــــان فيضحوا        في رياض ويشربوا السلسلبيلا
  ليس لي في في الجنان والنار رأي        أنا لا أبـــتغي بحبي بديـــــــــلا [7]

وأكثر من ذلك ما نقله كل من القشيري والعطار والكلاباذي والكمشخانوي وغيرهم :

" مرضت رابعة العدوية فقيل لها :

ما سبب علّتك ؟

فقالت : نظرت إلى الجنة بقلبي فغار عليّ قلبي , فأدبني وقد آليت وحلفت أن لا أعود " [8] .

وليس هذا الإستغناء عن الجنة والخوف والرهبة , فحسب بل أكثر من ذلك نقل الشعراني استهزاءها بالجنة ونعيمها , والقرآن الكريم , فيقول :
" سمعت رابعة العدوية رضي الله عنها شخصا يتلو قوله عز وجل ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴿٢٠﴾ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ قالت : نحن إذن  صغار حتى نفرح بالفاكهة والطير " [9] .

وليست رابعة العدوية وحدها من ينقلون عنها استغناءها عن الجنة واستحقار ذكرها , وعدم اهتمامها بالخوف والرجاء , والرهبة والرغبة , بل هذا هو موقفهم ومشربهم , فينقلون ذلك عن الآخرين أيضاّ , فيقول السلمي والهجويري والسهلجي والمنوفي الحسيني :

" إن أبا يزيد البسطامي الذي قال فيه الجنيد البغدادي كما يروون : أبو يزيد منا بمنزلة جبريل من الملائكة [10] .

فكان يقول : " الجنة لا خطر لها عند أهل المحبة , وأهل المحبة محجوبون بمحبتهم " [11] .
ونقل ابن العريف عنه أيضاً أنه كان يسخر بالثواب ولم يكن يبالي بالعقاب , وكان يقول مخاطبا للرب تعالى :

" أريدك لا أريدك للثواب     ولكني أريدك للعقاب " [12] .
وكان يستهزئ بالجنة بقوله :

" لله عباد لو بدت لهم الجنة بزينتها لضجوا منها كما يضجّ أهل النار من النار " [13] .

وقال أيضاً في هذا المعنى :

" من عرف الله صار للجنة ثواباً , وصارت الجنة عليه وبالا " [14] .

كما كان يستهزئ بالنار , فينقل عنه أنه كان يقول :

" وددت أن قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على باب جهنم . فسأله رجل : ولم ذاك يا أبا يزيد ؟

فقال : إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد [15] .

وأخيراً ما ذكر عنه السهلجي في ازدرائه واستصغاره الجنة حيث يروي عن ابن أخي أبي يزيد أنه قال :

" حدّثني أبي عن أبيه عن أبي يزيد أنه جاء حاتم الأصمّ زائراً له فقال حاتم : قد قلت لتلامذتي : من لم يكن منكم يوم  القيامة شفيعاً في أهل النار فيدخلهم الجنة لم يكن لي تلميذاً . فقال له أبو يزيد : ولكن قد قلت أنا لهم :

 ليس من تلاميذي إلا من وقف يوم القيامة , فكل من أمر من الموحدين إلى النار أخذ بيده وأدخله الجنة " [16] .

ومثل ذلك نقلوا عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يستهزئ بنعيم الجنة بدعائه :

" اللهم إنك تعلم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة " [17] .
والشبلي الذي قال عنه الجنيد : " لكل قوم تاج , وتاج هذا القوم الشبلي " [18] .

ينقلون عن تاج قومهم هذا أنه كان يدعو : " اللهم أخبأ الجنة والنار خبايا غيبك حتى تعبد بغير واسطة " [19] .

ومن استهزائهم بالجحيم ونيرانها أنه قال في مجلسه :

" إن لله عباداً لو بزقوا على جهنم لأطفوها " [20] .

وكذلك كان يقول : " لو خطر على بالي أن الجحيم بنيرانها وسعيرها تحرق مني شعرة لكنت مشركاً " [21] .

ومن استخفافه بوعيد أهل النار أنه سمع قارئاً يقرأ هذه الآية ﴿ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فقال الشبلي :

" ليتني كنت واحداً منهم " [22] .

وأما معروف الكرخي فيروون عنه " أنه عبد الله لا خوفاً من ناره , ولا شوقاً إلى جنته , فلذلك رؤى في النوم في حظيرة القدس جالساً في سرادق العرش شاخصاً ببصره ينظر إلى الله " [23] .
هذا وقد ذكر السهلجي حكاية عن أبي موسى تدل على استخفاف الصوفية بالجنة ونيلهم من شأنها وعظمتها فيقول :

" يؤتى يوم القيامة برجل من طريق النار على حالة أحسن ما يكون , فيراد أن يزداد الذي يؤتي من طريق النار ألما ووجعا فيقال له : ترى ذاك الذي يحمل إلى الجنة بتلك الزينة ؟ وهو فلان . فيقول نعم , كنت سمعت أسمه في دار الدنيا . قال فيبلغ الله صوته ذلك الولي فيقف مكانه فيقال له : لم لا تذهب ؟ فيقول : لا أبرح من مكاني حتى يكون معي من سمع باسمي ,  قال : فينادى : وهبناه منك , خذ بيده وأذهب به إلى الجنة – وكان الشيخ أبو عبد الله يقول إذا حكى هذه الحكاية : فيقول : هذا لمن سمع الإسم , فكيف لمن رأى وصحب " [24] .

فالمعنى أنهم استصغروا شأن الجنة ومقامها , وجعلوا دخولها من الأمور الهينة لا تحتاج إلى كثير عناء ومشقة , بل يكفي أن يسمع الإنسان أسم وليّ من أولياء الصوفية , وحسبه ذلك من دخول الجنة والبعد عن النار .

وأكثر من ذلك أنهم نقلوا عنه أنه قال :

" ما النار ؟
لأستندن إليها , وأقول : اجعلني لأهلها فداء أو لأبلعنها .

ما الجنة ؟

لعبة صبيان " [25] .

ومن احتقارهم الجنة ما رووه عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه كان يقول :

" لو أتاني آت من ربي عز وجل فقال : أنت مخيّر بين الجنة والنار أو تصير تراباً لاخترت أن أصير تراباً " [26] .

وذكروا عن سليمان الداراني أنه قال :

" إن لله عباداً ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة " [27] .





مع أن الله عز وجل ولم يفرّق بين إرادة الآخرة وإرادته هو سبحانه تعالى حيث قال : ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [28] .

فإرادة الآخرة نفس إرادة الله لا فرق بينهما .

ومدح الله تعالى عباده الذين يريدون الآخرة ويسعون لها بقوله :

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [29] .

وجمع الله بين إرادته ورسوله والدار الآخرة في قوله : ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [30] .



[1] ترصيع الجواهر المكية لعبد الغني الرافعي ص 49 ط   المطبعة العامرية 1301هـ .
[2] تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار ص 42 .
[3] أنظر روضة التعريف لوزير الدين بن الخطيب ص 427 .
[4] نفحات الأنس للجامي ( فارس ) ص 544 ط  إيران .
[5] جمهرة الأولياء للمنوفي الحسيني ج1 ص 270 .
[6] التعرف لمذهب أهل التصوف ص 131 , 132 , قوت القلوب لأبي طالب المكي ص 57 أيضاً روضة التعريف ص 427 , أيضاً نشر المحاسن الغالية لليافي ج 1 ص   بعاصر جامع كروان كرامات الأولياء للشعراني ط   دار صادر بيروت .
[7] إيقاظ الهمم لأبن عجيبة ص 32 ط   مصطفى الباب , أيضا هامش المعارضة والرد لمحمد كمال جعفر ص 137 .
[8] أنظر الرسالة القشيرية ج 2 ص  516 , أيضا تذكرة الأولياء للعطار ص 34 , أيضا التعرف لمذهب أهل التصوف ص 184 , أيضا جامع أصول الأولياء للكمشخانوي ص 119 واللفظ له .
[9] الطبقات الكبرى للشعراني ج 2 ص 71 .
[10] كشف المحجوب للهجويري ص 313 .
[11] طبقات الصوفية للسلمي ص 19 , كشف المحجوب للهجويري ص 318 , جمهرة الأولياء للمنوفي ج 2 ص 139 أنظر النور في كلمات أبي طيفور للسهلجي ص 169 نشر الدكتور البدوي ط   الكويت .
[12] محاسن المجالس لأبي العباس أحمد بن محمد الصوفي الصنهاجي بن العريف ط   باريس 1933م  أيضا شرح كلمات الصوفية جمع محمود محمد الغراب ص 180 .
[13] النور من كلمات أبي طيفور للسهلجي ص 147 .
[14] أيضاً ص 118 .
[15] أيضاً ص 147 .
[16] النور من كلمات أبي طيفور للسهلجي ص 98 , 99 .
[17] جمهرة الأولياء لأبي الفيض المنوفي الحسيني ج 2 ص 130 .
[18] نفحات الأنس للجامي ص 180 .
[19] كشف المحجوب للهجويري ص 577 ط  دار النهضة العربية بيروت .
[20] أنظر كتاب اللمع للطوسي ص 491 .
[21] أيضاً ص 490 .
[22] اللمع للطوسي ص 490 .
[23] قوت القلوب لأبي المكي ج  2 ص  56 .
[24] النور من كلمات أبي طيفور ص 68 .
[25] مجموع نصوص غير منشورة عن أبي يزيد ص 31 نقلا عن " شطحات الصوفية " للدكتور عبد الرحمن بدوي ط   الكويت .
[26] طبقات الشعراني ج 1 ص 33 .
[27] كفاية الأتقياء ومنهاج الأصفياء للدمياطي  ص 107 ط .
[28] سورة الأنفال الآية 67 .
[29] سورة الإسراء الآية 19 .
[30] سورة الأحزاب الآية 29 .