وأما
المتصوفة فلا يرون الأمر كذلك , فلا الدنيا عندهم ولا الآخرة , ولا الخوف ولا
الطمع , ولا الجنة ولا النار , بل كثيراً ما يستهزؤن بها ويسخرون بذكرها , فنقلوا
عن رابعة العدوية البصرية أنها كانت تنشد :
" يعبدون الله خوفاً من
لظى فلظى قد عبدوا لا ربنـا
ولدار الخلد صلّوا , لا لــه شبه قوم يعبدون الوثنا " .
وذكرها
العطار فقال :
"
جاء إليها رجال من أهل الله فسألت أحدهم : لماذا تعبد الله ؟
فقال
: خوفاً من عقابه والجحيم التي برزت للغاوين .
فسألت
الآخر فقال : طمعاً في جنته التي أعدت للمتقين .
فقالت
: أما أنا فما عبدته خوفاً من ناره ولا طمعا في جنته فأكون كالأجير السوء بل عبدته
حباً له وشوقاً إليه " .
وورد
مثل هذا في روضة التعريف بالحب الشريف أيضاً .
وروى
الجلمي عنها أنها قالت :
"
وعزتك ما عبدتك خوفاً من نارك ولا رغبة في جنتك , بل كرامة لوجهك الكريم ومحبة فيك
" .
وعلى
ذلك قال المنوفي الحسيني بعد ذكر رابعة العدوية , وجويرية , ورابعة الدمشقية
وغيرهن : " أولئك اللواتي طمعن في رحمة الله وأحببته لا رهبة من عقابه , ولا
طمعاً في ثوابه " .
وأنشدت
أيضاً :
أحبك حبين حب الـــهوى وحباً لأنك أهـــل لذاكـــــــا
فأما الذي هو حبّ الهوى فشغلي بذكرك عمّن سواكا
وذكر
ابن عجيبة الحسني أنها قالت :
كلهم يعبدونه من خــــــــوف
نــــار ويــرون النـــجاة حظاً
جزيــــلا
أو بأن يسكنوا الجنــــــان
فيضحوا في رياض ويشربوا السلسلبيلا
ليس لي في في الجنان والنار رأي أنا لا أبـــتغي بحبي بديـــــــــلا
وأكثر
من ذلك ما نقله كل من القشيري والعطار والكلاباذي والكمشخانوي وغيرهم :
"
مرضت رابعة العدوية فقيل لها :
ما
سبب علّتك ؟
فقالت
: نظرت إلى الجنة بقلبي فغار عليّ قلبي , فأدبني وقد آليت وحلفت أن لا أعود "
.
وليس
هذا الإستغناء عن الجنة والخوف والرهبة , فحسب بل أكثر من ذلك نقل الشعراني
استهزاءها بالجنة ونعيمها , والقرآن الكريم , فيقول :
"
سمعت رابعة العدوية رضي الله عنها شخصا يتلو قوله عز وجل ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴿٢٠﴾ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا
يَشْتَهُونَ ﴾
قالت : نحن إذن صغار حتى نفرح بالفاكهة
والطير "
.
وليست
رابعة العدوية وحدها من ينقلون عنها استغناءها عن الجنة واستحقار ذكرها , وعدم
اهتمامها بالخوف والرجاء , والرهبة والرغبة , بل هذا هو موقفهم ومشربهم , فينقلون
ذلك عن الآخرين أيضاّ , فيقول السلمي والهجويري والسهلجي والمنوفي الحسيني :
"
إن أبا يزيد البسطامي الذي قال فيه الجنيد البغدادي كما يروون : أبو يزيد منا
بمنزلة جبريل من الملائكة .
فكان
يقول : " الجنة لا خطر لها عند أهل المحبة , وأهل المحبة محجوبون بمحبتهم
" .
ونقل
ابن العريف عنه أيضاً أنه كان يسخر بالثواب ولم يكن يبالي بالعقاب , وكان يقول
مخاطبا للرب تعالى :
" أريدك لا أريدك
للثواب ولكني أريدك للعقاب " .
وكان
يستهزئ بالجنة بقوله :
"
لله عباد لو بدت لهم الجنة بزينتها لضجوا منها كما يضجّ أهل النار من النار "
.
وقال
أيضاً في هذا المعنى :
"
من عرف الله صار للجنة ثواباً , وصارت الجنة عليه وبالا " .
كما
كان يستهزئ بالنار , فينقل عنه أنه كان يقول :
"
وددت أن قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على باب جهنم . فسأله رجل : ولم ذاك يا أبا
يزيد ؟
فقال
: إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد .
وأخيراً
ما ذكر عنه السهلجي في ازدرائه واستصغاره الجنة حيث يروي عن ابن أخي أبي يزيد أنه
قال :
"
حدّثني أبي عن أبيه عن أبي يزيد أنه جاء حاتم الأصمّ زائراً له فقال حاتم : قد قلت
لتلامذتي : من لم يكن منكم يوم القيامة
شفيعاً في أهل النار فيدخلهم الجنة لم يكن لي تلميذاً . فقال له أبو يزيد : ولكن
قد قلت أنا لهم :
ليس من تلاميذي إلا من وقف يوم القيامة , فكل من
أمر من الموحدين إلى النار أخذ بيده وأدخله الجنة " .
ومثل
ذلك نقلوا عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يستهزئ بنعيم الجنة بدعائه :
"
اللهم إنك تعلم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة " .
والشبلي
الذي قال عنه الجنيد : " لكل قوم تاج , وتاج هذا القوم الشبلي " .
ينقلون
عن تاج قومهم هذا أنه كان يدعو : " اللهم أخبأ الجنة والنار خبايا غيبك حتى
تعبد بغير واسطة " .
ومن
استهزائهم بالجحيم ونيرانها أنه قال في مجلسه :
"
إن لله عباداً لو بزقوا على جهنم لأطفوها " .
وكذلك
كان يقول : " لو خطر على بالي أن الجحيم بنيرانها وسعيرها تحرق مني شعرة لكنت
مشركاً "
.
ومن
استخفافه بوعيد أهل النار أنه سمع قارئاً يقرأ هذه الآية ﴿ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾
فقال الشبلي
:
"
ليتني كنت واحداً منهم " .
وأما
معروف الكرخي فيروون عنه " أنه عبد الله لا خوفاً من ناره , ولا شوقاً إلى
جنته , فلذلك رؤى في النوم في حظيرة القدس جالساً في سرادق العرش شاخصاً ببصره
ينظر إلى الله " .
هذا
وقد ذكر السهلجي حكاية عن أبي موسى تدل على استخفاف الصوفية بالجنة ونيلهم من
شأنها وعظمتها فيقول :
"
يؤتى يوم القيامة برجل من طريق النار على حالة أحسن ما يكون , فيراد أن يزداد الذي
يؤتي من طريق النار ألما ووجعا فيقال له : ترى ذاك الذي يحمل إلى الجنة بتلك
الزينة ؟ وهو فلان . فيقول نعم , كنت سمعت أسمه في دار الدنيا . قال فيبلغ الله
صوته ذلك الولي فيقف مكانه فيقال له : لم لا تذهب ؟ فيقول : لا أبرح من مكاني حتى
يكون معي من سمع باسمي , قال : فينادى :
وهبناه منك , خذ بيده وأذهب به إلى الجنة – وكان الشيخ أبو عبد الله يقول إذا حكى
هذه الحكاية : فيقول : هذا لمن سمع الإسم , فكيف لمن رأى وصحب " .
فالمعنى
أنهم استصغروا شأن الجنة ومقامها , وجعلوا دخولها من الأمور الهينة لا تحتاج إلى
كثير عناء ومشقة , بل يكفي أن يسمع الإنسان أسم وليّ من أولياء الصوفية , وحسبه
ذلك من دخول الجنة والبعد عن النار .
وأكثر
من ذلك أنهم نقلوا عنه أنه قال :
"
ما النار ؟
لأستندن
إليها , وأقول : اجعلني لأهلها فداء أو لأبلعنها .
ما
الجنة ؟
ومن
احتقارهم الجنة ما رووه عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه كان يقول :
"
لو أتاني آت من ربي عز وجل فقال : أنت مخيّر بين الجنة والنار أو تصير تراباً
لاخترت أن أصير تراباً " .
وذكروا
عن سليمان الداراني أنه قال :
"
إن لله عباداً ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة " .
مع
أن الله عز وجل ولم يفرّق بين إرادة الآخرة وإرادته هو سبحانه تعالى حيث قال : ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .
فإرادة
الآخرة نفس إرادة الله لا فرق بينهما .
ومدح
الله تعالى عباده الذين يريدون الآخرة ويسعون لها بقوله :
﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ .
وجمع
الله بين إرادته ورسوله والدار الآخرة في قوله : ﴿ وَإِنْ
كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ
أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ .